أكذوبة نظرية التغيير الثوري!

 
 أين ذهب شباب ميدان التحرير في مصر؟ لماذا فشلت الثورة ونجحت الثورة المضادة؟ واين ذهبت الأحزاب الشيوعية في الخمسينيات، التي تبخرت وغيرت أسماءها، ولم يبقَ منها سوى أطر صغيرة، وكيف صارت "فتح" حزباً حاكماً قبل أن يكون هناك حكم؟ ولماذا انقسم الإسلاميون على أنفسهم أقساما كثيرة، ولم يستطيعوا إنفاذ ما يريدون؟ 
إحدى المقولات الشائعة من قبل أنصار بعض الأفكار والنظريات، أنّ المشكلة ليست في النظرية ولكن في التطبيق، فمن الشائع القول إنّ المشكلة ليست في الاشتراكية بل في التطبيق، وليست في القومية بل في التطبيق، وعند الحديث عن انحرافات البعض باسم الدين، فإنّ أحد أوجه الدفاع أنّ هذا ليس الدين بل فهم ضال ومضلل ومغلوط. والواقع أنّ التفكير قليلا، يؤدي لنتيجة أنّه لا يوجد تقريباً أي فلسفة أو حتى دين، وضع نظرية لعملية التغيير تم تطبيقها، والثورات التي تعتبر ناجحة، جاءت بتطبيق تطوَّر تدريجيا دون نظرية (وهنا نفرق بين ما تدعو إليه النظريات من فكر وطريق الوصول إليها). 
لو درس شخص نظريات التغيير عند أحزاب إسلامية مثل الإخوان المسلمين، أو عند حركات يسارية، كالأحزاب الشيوعية، أو حتى لتطبيق وطني، مثل حركة "فتح" الفلسطينية، لرأى استنساخا مشتركا بينها، لمراحل التغيير أو الثورة، بمسميات مختلفة. فالتيارات الثلاثة تبحث في المرحلة الأولى عن "النواة الصلبة"، التي تنشئ الحزب والتنظيم، ثم يأتي الرفض المنظم الشعبي حلقة ثانية، ثم ثالثاً، التفاف الشعوب والأمم خلف الثورة. ويمكن الإشارة لكتاب سيد قطب معالم في الطريق، كنموذج لهذا التغيير ثلاثي المراحل، عند الإسلاميين، وعند الشيوعيين هناك الحزب وطليعته، ثم البروليتاريا (العمال) وثورتهم، ثم إلغاء الدول واتحاد عمال العالم، وعند "فتح"، يمكن الإشارة للمبادئ التي لخصتها يوماً أغنية تقول: "فدائية، ثورة شعبية، جبهة عربية تساند"، أي أن المرحلة الأولى هي ظهور الفدائيين (الطليعة)، ثم تفجير الثورة ثانياً، والتي تلتف حولها الأمة العربية للمساندة (ثالثا). ولكنّ أياً من الحركات الثلاث لم يصل لأهدافها، ولن تصل، بالطريقة المقترحة. فالجميع ذهب في اتجاهات مختلفة، فالماركسيون منذ زمن لينين في الاتحاد السوفياتي (1917) توقفوا عن الإيمان العملي بنظرية كارل ماركس في التغيير، القائم على نضج ظرف تاريخي معين ترافقه ثورة عمالية، وذهبوا للبحث عن حزب يقوم بتغيير الظروف وتحقيق الثورة عبر دولة، يجري قمع الناس باسمها، لأنها "حارسة الحلم". وذات الشيء حدث مع "فتح" التي بدل الثورة الشعبية ذهبت تبحث عن "الحلم" عبر سلطة تحت الاحتلال، وكذلك سقط الإسلاميون في فخ السلطوية، ما سهل الانقلاب عليهم حيناً، وأدى لانقسامهم، وانفضاض الجماهير من حول تنظيماتهم. 
في الواقع أنّ تطبيق نظرية للتغيير (مراحله) لم تحدث تاريخياً، وعندما تنجح حركات في فرض تغيير شامل، يقوم البعض بدراسة كيف حدث ذلك، ويحاولون أن يستقرؤوا النظرية من التطبيق وليس العكس. ومثال ذلك من يحاول استنساخ تجرية عصر النبوة في الإسلام، والانتقال من المجتمع الجاهلي، إلى الدعوة سرا والدعوة جهرا، ثم التغيير والأمة الجديدة. أو الذين درسوا ما قام به جمال عبدالناصر في مصر، من إجراءات كانت وليدة التفكير في كل معضلة ومشكلة على حدة، واشتقوا منها ما أسموه "الناصرية" (الحقيقة أنّ الناصرية تجربة دولة أكثر منها ثورة).      
فشلت تنبؤات آدم سميث رائد النظرية الليبرالية في القرن الثامن عشر، ولم يظهر المجتمع الليبرالي وجاءت بدلا منه رأسمالية، وكرد فعل جاء الفكر الماركسي في القرن التاسع عشر، الذي طرح أفكاراً للتغيير لم تتحقق، ولم ينجح الإسلاميون أو الوطنيون في فرض تصوراتهم. 
كان ما مضى لا يعني عدم وجود مبرر للحلم بالثورة، أي بمجتمع جديد وعالم جديد، وبأفكار مختلفة، ولكن ربما يمكن التخلي عن فكرة نظرية التسلسل الثوري، وفق تخطيط بعيد المدى، أو عن التغيير الجذري السريع، أو عن رسم حالة مثالية يجري السعي لها، لصالح حالة تسمى "التمثّل الثوري" أي تبني الأفكار والأخلاق الثورية وتطبيقاتها في الحياة، مع تخطيط قصير ومتوسط المدى، مع الذكاء في التعامل مع الدولة بما لا يسمح لها بإجهاض المشروع، أو التخلي عن الثورة لأجلها، ومن حيث القدرة على التغلغل فيها والإصلاح.
نُشر في الغد الأردنية، الخميس 23 آذار / مارس 2017