فلسطينيات.. الطنطورة

 
 عندما شاهدتُ في رام الله قبل أشهر أوراقا طبعها على ما يبدو شبان بمبادرة شخصية، ببقايا حبر طابعة، باهتة، علّقوها يستذكرون الذكرى الرابعة والثلاثين لدخول كريم يونس، من قرية عارة، الأسر الصهيوني، تذكرتُ وكتبت مستوحياً من تصريح وتعبيرات لياسر عرفات، أنّ اسم كريم وورقته قد يذوبان مع المطر، ولكنها "ستنفرش" في الأرض، وستنبت ورداً وحنوناً. وقبل أسابيع عندما استطاع كريم، أن يطلق عبارة تسرب تسجيل لها أثناء إضرابه عن الطعام، "انفرشت" عبارته، وصارت شعارا في المظاهرات والشوارع، ورأيناها قبل أيام أثناء دخول المئات لمكان قرية الطنطورة المهجرة: "لن نتراجع حتى لو لمّونا جثث".  
كان عمر محمود إعمر خمسة أعوام، عام 1948 ويذكر الحدث وهو يدخل، الطنطورة: جمعوا الجميع ووضعوهم مقابل الحائط ثم "قوصوهم" وقتلوهم.
في مكان آخر من قرية الطنطورة، بين قيسارية وحيفا، قبل 69 عاماً من مثل هذه الأيام، وبعد مقاومة أهلها، دخل الصهاينة، متفوقين عدة وعددا، وأجبروا، بتهديد السلاح، شباناً أن يحفروا خندقاً، وعندما انتهى الحفر، جاؤوا بآبائهم وأهلهم وقتلوهم ودفنوهم هناك، ثم قتلوا من قاموا بالحفر. وبقيت المجزرة مجهولة حتى باتت توثق بالبحث، والرواية، والأفلام، فوجدنا أنفسنا أمام ما هو أبشع ربما من مجزرة دير ياسين، الأشهر. لقد أرادوها كما يوضح دليل مجموعة تسمى مجموعة اعرف وطنك جالت "الطنطورة، عين غزال، اجزم، كفر لام، صرفند، عين حوض، وادي فلاح"، عبرة ودرساً لـ 73 قرية تمتد بين حيفا ويافا لترويع أهلها ودفعهم للهرب.  
 نظمت جمعية "فلسطينيات" هذا العام نشاطها للعودة للقرية، الواقعة على ساحل البحر، ذي الجمال المدهش، حد انفجار الماء العذب من بئر داخل البحر، كانوا يشربون منه. 
أظهر الحدث هذا العام كيف يتكامل وطن الألم والجمال.  
أرسل أهل قرية الكابر، المبعدين المشتتين في مخيم برج البراجنة، في لبنان، إكليل ورد أحمر، أرسلوه مع أحد أبنائهم الذين بقوا. كما حمل آخرون أكاليل الورد القاني. 
سار المشاركون ومعهم أهالي أسرى مضربون عن الطعام، على وقع قرع طبول عشرات الكشافة من فرقة سرية الطيرة. وجاءت من القدس، ربا، صاحبة مشروع غناء "موطني" جماعياً في الميادين.  
لكي تصل للموقع أوصى المنظمون المشاركين تنزيل تطبيق inakba، الذي أعدته جمعية ذاكرت وفيه خريطة الوصول لكل القرى المهجرة والمدمرة.  
في ذات اليوم كان محاضر يتحدث في السويد عن الطنطورة، وبدأت إحدى المشاركات تبكي لأنّها من "هناك"، فأرسل للمنظمين يخبرهم القصة، وأنّ الفتاة قريبة أم أحمد، التي تتولى "فلسطينيات" مساعدتها لمنع إخراجها من بيتها الأثري في عكا لصالح مشروع يهودي. 
أرسل 24  فناناً أعمالهم "لتنفرش" في الطنطورة، ولا يمكنني في مساحة هذا المقال إلا أنّ أختار عشوائياً، منهم. فمن فرنسا أرسل أحمد داري، الدبلوماسي والفنان الفلسطيني، مقطوعة غنائية قصيرة معدة بعناية، من كلماته وغنائه. من بيروت أرسلت رندة بيروتي، وأصلُها من يافا، لوحتها "في خيال الزمن"، وشاركت سلوى أبو الهيجا، ابنة سخنين، بلوحة ترسم المقام (المسجد) الباقي من القرية. أما منال ديب، فأرسلت من واشنطن لوحتها "ألم الذاكرة" عن مجازر لبنان، وأرسل ابن الطنطورة يحيى عشماوي، وهو من مواليد مخيم اليرموك في سورية، ومقيم في السويد، لوحة بعنوان "ولادة في الخاصرة". وأرسل محمد أحمد الشريف من غزة، لوحة بأسلوب الحرق على الخشب. أما ماهر ناجي، من جباليا في غزة، الحاصل على دكتوراة الفنون من بطرسبرغ، فأرسل لوحة "احتراق الياسمين". وحنين سليم كنانة، من قرية المشهد، شاركت بلوحة "أحفاد حطين". 
كان أهالي الطنطورة في الشتات، يتابعون الحدث عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وترد الحاجة "أم يحيى" على الحج "أبو حسين"، الله "يكرمك وتروح عالطنطورة..". آخرون لم ينتظروا بدء بث النشاط كتبوا على صفحة الحدث على "فيسبوك" يرجون سرعة البث. وغضب آخر واستاء من قلة التغطية وقرر مقاطعة الصفحة. 
عرضوا فيلم "عرب لطفي"، على أجسادهم، عن كيفية احتلال الطنطورة، فتساءلوا وإضراب الأسرى يخيّم، ألا يوجد سوى اجسادنا نقاتل بها؟  
أريد للطنطورة ان تندثر، فبُعِثَت، فناً، وبحثاً، وأدباً، وغناء، وتطبيقات إنترنت، وصفحات تواصل اجتماعي، وعودة على الأقدام، وتخليداّ للذاكرة. كأن دماءهم "انفرشت" في الأرض وأنبتت ورداً وحنون.
نُشر في الغد الأردنية،  الجمعة 26 أيار / مايو 2017